عندما تستخدم امرأة كرسياً متحركاً، كثيراً ما يتساءل الناس إن كانت قادرة على الزواج أو تربية الأطفال. وعندما يستخدم رجل الكرسي المتحرك نفسه، فإن السؤال الذي يلاحقه غالباً هو إن كان قادراً على العمل وتحمل المسؤوليات. الإعاقة واحدة، لكن الأحكام المسبقة تختلف. وهنا تبدأ قصة العلاقة المعقدة بين الإعاقة والأدوار الجندرية.
غالباً ما يتم التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة على أنهم فئة متجانسة تواجه التحديات نفسها وتسعى إلى المطالب ذاتها. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالإعاقة لا تُعاش بمعزل عن المجتمع، بل تتأثر بمنظومة كاملة من الأفكار والتوقعات المرتبطة بما يُفترض أن تكون عليه المرأة أو الرجل. لذلك فإن كثيراً من التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة لا تنبع من الإعاقة ذاتها، بل من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى أدوارهم ومكانتهم وقدراتهم.
التعليم: فرص غير متكافئة منذ البداية
تبدأ هذه التأثيرات بالظهور منذ مراحل التعليم الأولى. ففي بعض الأسر، ما تزال الفتاة ذات الإعاقة تواجه فرصاً أقل للوصول إلى التعليم أو المشاركة في الأنشطة المدرسية مقارنة بالذكور. وغالباً ما يُبرَّر ذلك بالخوف عليها أو بصعوبة التنقل أو بالاعتقاد أن مستقبلها سيبقى مرتبطاً بالمنزل مهما بلغ مستوى تعليمها.
في المقابل، يُنظر إلى تعليم الصبي ذوي الإعاقة باعتباره ضرورة تساعده على بناء حياة مستقلة والاندماج في المجتمع. وهكذا لا يصبح التعليم حقاً متساوياً للجميع، بل فرصة تتأثر بالتوقعات الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي. والمشكلة هنا أن حرمان الفتيات ذوات الإعاقة من التعليم لا يعني فقط فقدان فرصة التعلم، بل فقدان فرصة بناء الثقة بالنفس والاستقلال الاقتصادي والمشاركة في الحياة العامة.
سوق العمل: تقاطع الصور النمطية
وعند الانتقال إلى سوق العمل، تتخذ الأدوار الجندرية شكلاً أكثر تعقيداً. فالرجل ذو الإعاقة غالباً ما يواجه ضغوطاً مستمرة لإثبات كفاءته وقدرته على الإنتاج، لأن المجتمع ما زال يربط الرجولة بالعمل والاستقلالية وتحقيق الإنجاز. لذلك قد يجد نفسه مطالباً بإثبات قدراته بشكل يفوق ما يُطلب من الآخرين، وقد يُحكم عليه من خلال إعاقته قبل النظر إلى خبراته ومؤهلاته.
أما المرأة ذات الإعاقة فتواجه نوعاً مختلفاً من التحديات؛ إذ تتقاطع الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة مع تلك المرتبطة بالمرأة نفسها. فقد يُفترض أنها أقل قدرة على الالتزام الوظيفي أو أقل استعداداً لتحمل المسؤوليات المهنية، ما يؤدي إلى استبعادها من فرص العمل أو حصرها في أدوار محدودة. وهكذا تصبح المرأة ذات الإعاقة عالقة بين شكلين من التمييز: التمييز القائم على الإعاقة والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
الزواج وتكوين الأسرة
ولا تتوقف آثار الأدوار الجندرية عند التعليم والعمل، بل تمتد إلى واحد من أكثر المجالات حساسية في حياة الأفراد، وهو الزواج وتكوين الأسرة. ففي حين يُنظر إلى الزواج باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، ما يزال كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون تشكيكاً مستمراً في أهليتهم لخوض هذه التجربة. إلا أن طبيعة هذا التشكيك تختلف بين النساء والرجال تبعاً للأدوار الجندرية السائدة في المجتمع.
فبالنسبة للمرأة ذات الإعاقة، غالباً ما ترتبط الأحكام المسبقة بمفاهيم الأنوثة والأمومة والرعاية. إذ لا يزال البعض يتساءل عن قدرتها على الزواج أو الإنجاب أو تربية الأطفال، وكأن الإعاقة تلغي تلقائياً حقها في تكوين أسرة أو اتخاذ قراراتها الشخصية. وفي بعض الحالات، تتخذ الأسر قرارات نيابة عن المرأة ذات الإعاقة فيما يتعلق بالزواج والعلاقات الشخصية، انطلاقاً من افتراض أنها غير قادرة على تقييم مصلحتها أو إدارة حياتها بشكل مستقل. كما تواجه بعض النساء ذوات الإعاقة نظرة اجتماعية تختزل قيمتهن في معايير تقليدية للأنوثة والجمال، ما يجعلهن أكثر عرضة للشفقة أو الإقصاء بدلاً من النظر إليهن كشريكات محتملات في علاقة قائمة على الاحترام والمساواة.
أما الرجل ذو الإعاقة، فيواجه نوعاً مختلفاً من الأحكام المسبقة. فالمجتمع غالباً ما يربط الرجولة بالقدرة على الحماية وإدارة شؤون الأسرة. لذلك قد يتعرض الرجل ذو الإعاقة للتشكيك في قدرته على بناء أسرة أو إدارة حياته الأسرية، حتى عندما يكون مستقلاً وقادراً على ذلك. وفي كثير من الأحيان، لا يُنظر إلى إمكاناته الشخصية أو المهنية بقدر ما يُنظر إلى إعاقته بوصفها العامل الوحيد المحدد لهويته وقدراته. وهكذا تتحول الصور النمطية المرتبطة بالجندر إلى عائق إضافي يحرم الكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة من حقهم في تكوين علاقات واختيار نمط الحياة الذي يرغبون به.
لعب الأدوار في المجتمع
كما تؤثر الأدوار الجندرية على مفهوم الرعاية داخل الأسرة، وهو جانب نادراً ما يحظى بالنقاش الكافي. ففي معظم المجتمعات، تُعتبر رعاية الأطفال وكبار السن وإدارة شؤون المنزل مسؤولية نسائية بالدرجة الأولى. وعندما تكون المرأة ذات إعاقة، يفترض كثيرون أنها غير قادرة على أداء هذه الأدوار.
وتنعكس هذه التوقعات أيضاً على حرية الحركة والاستقلالية. فالاستقلالية لا تتعلق فقط بالقدرة على التنقل، بل بالحق في اتخاذ القرار وخوض التجارب وبناء العلاقات الاجتماعية. فعندما يسافر شاب ذو إعاقة للمشاركة في تدريب أو نشاط مجتمعي، غالباً ما يُنظر إلى ذلك بوصفه خطوة إيجابية نحو الاستقلالية. أما عندما ترغب فتاة ذات إعاقة بالقيام بالأمر نفسه، فقد تواجه اعتراضات تتعلق بالأمان أو السمعة أو الحاجة إلى مرافقة دائمة. ورغم أن هذه المواقف تُقدَّم أحياناً على أنها نوع من الحماية، فإنها تؤدي عملياً إلى تقييد فرص النساء ذوات الإعاقة في التعلم والعمل وبناء شبكات العلاقات والمشاركة في الحياة العامة.
التمييز والمشاركة العامة
وتزداد آثار هذا التمييز وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالحماية من العنف والاستغلال. حيث تعتبر النساء والفتيات ذوات الإعاقة من أكثر الفئات عرضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي بسبب تداخل عوامل عدة، منها العزلة الاجتماعية، وضعف الوصول إلى المعلومات والخدمات، والاعتماد على الآخرين في بعض جوانب الحياة اليومية. كما أن كثيراً من حالات العنف قد تبقى غير مرئية أو غير مُبلَّغ عنها بسبب غياب آليات ميسّرة وآمنة للوصول إلى العدالة والحماية. وهذا يكشف أن التمييز ضد النساء ذوات الإعاقة لا يقتصر على الفرص المتاحة لهن، بل يمتد إلى حقهن في العيش بأمان وكرامة.
أما في المجال العام، فما تزال النساء ذوات الإعاقة أقل حضوراً في مواقع القيادة وصنع القرار مقارنة بالرجال ذوي الإعاقة. ولا يعود ذلك إلى نقص الكفاءة أو الخبرة، بل إلى تراكم العوائق التي تحد من فرص مشاركتهن منذ مراحل مبكرة من الحياة. وعندما تغيب النساء ذوات الإعاقة عن مواقع التأثير، تغيب معها تجارب واحتياجات ورؤى لا يمكن لأي طرف آخر التعبير عنها بالقدر نفسه. لذلك فإن تعزيز المشاركة السياسية والمجتمعية للأشخاص ذوي الإعاقة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار البعد الجندري، وألا يكتفي بالنظر إلى الإعاقة باعتبارها القضية الوحيدة المطروحة.
خلاصة
إن العلاقة بين الإعاقة والأدوار الجندرية تكشف أن الإعاقة ليست تجربة موحدة يعيشها الجميع بالطريقة نفسها. فالنساء والرجال ذوو الإعاقة يواجهون تحديات مختلفة ناتجة عن التوقعات الاجتماعية المرتبطة بأدوارهم داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك فإن بناء مجتمع أكثر شمولاً لا يقتصر على إزالة الحواجز المادية أو توفير الخدمات، بل يتطلب أيضاً مراجعة الأفكار والصور النمطية التي تحدد مسبقاً ما يستطيع الأشخاص ذوو الإعاقة القيام به وما لا يستطيعون القيام به.
فالمساواة الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن النظر إلى الأفراد من خلال إعاقتهم أو جنسهم، ونبدأ بالنظر إليهم بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق، يمتلكون القدرات والطموحات والحق في اتخاذ قراراتهم والمشاركة في مجتمعاتهم على قدم المساواة مع الآخرين.
كتابة: رشيد حسن
