هل أصبحت اللغة هي الأخرى “عائقاً” أمام دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع؟ لماذا نستخدم أحياناً تعبيرات ومفاهيم وكلمات تثير في الوجدان والعقل دلالاتٍ ملتبسةً وقد تعكس ما يُقصد منها؟ من يملك حقّ إسقاط معانٍ محددة على كلمات تحتمل أكثر من معنىً ومغزىً؟

فمن يقرر أنَّ من “يختلف” عنا يجب أن يُخاطَب بلغة مختلفة غير تلك التي نستخدمها بيننا نحن “المتشابهين”؟! من يجب أن يحدد مواصفات إنسان آخر مظهراً وجوهراً إذا كان أداؤه وتعاطيه لطقوس الحياة اليومية بجميع تجلياتها مختلفاً عما نقوم به و(مُربِكاً) لنا ولما اعتدنا عليه؟ هل لأننا (نسمع) أشياء قد لا يسمعها الآخرون و(نرى) أشياء قد لا يراها الآخرون و(نتحرك) لأماكن قد لا يصلها الآخرون و(نفهم) أشياء قد لا يفهمها الآخرون؟ هل هذا هو المطلقُ نقيضُ النسبي؟ هل نحن غيرهم؟ هل هم غيرنا؟ وإذا كنا نريد من الآخرين أن يقبلونا كما نحن ونصرّ على ذلك، فلماذا لا نقبلهم أيضاً كما هم؟

هل اللغة محايدة فعلاً؟

إن المتتبّع لأدبيات الإعاقة يلاحظ بمنتهى السهولة أن كثيراً ممّن له علاقة بهذا المجال، سواء بالتخصص أو بالتنظير أو بالممارسة أو بالمعاناة، يستخدم كلمات تبدو للوهلة الأولى مُحايدةً وموضوعيةً وذات نوايا صادقة، غير أن تدقيقاً بسيطاً فيها يجعلنا نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك أنها غير محايدة، بل على العكس، فإنها قد تشكل إساءةً وانتهاكاً للأشخاص ذوي الإعاقة وقضاياهم.

لنبدأ من السؤال اللغوي البسيط التالي: ما هو عكس كلمة معاق أو معوّق؟ لقد وَجَّهْتُ هذا السؤال لأكثر من فئة ومجموعة ممن يعملون مع الأشخاص ذوي الإعاقة أو أهاليهم أو الطلبة أو المتدربين أو من عامة الناس، وكانت معظم إجاباتهم كما يلي: إن عكس كلمة معوّق هو “سوي”، “سليم”، “مُعافى”، “صحيح”، “عادي”، “كامل”، “طبيعي”، وقليلٌ جداً أجاب إن عكسها هو “غير معاق” أو “غير معوّق”، والأقلُّ الأقلُّ أجاب بأنه لا يعرف أو لم يخطر السؤال بباله من قبلُ!

معايير “الطبيعي” و”العادي”

لنبدأ أيضاً بتحليل الإجابات: من يقرر أن هذا الشخص أو ذاك سويٌّ أو معافىً أو عاديٌّ أو صحيحٌ أو كاملٌ أو سليمٌ أو طبيعيٌّ أو… أو…؟ ما هو المعيار أو المعايير المستخدمة للحكم على الآخرين بأنهم “أصحاء وعاديّون وسليمون وكاملون”؟ ما هي مواصفات الشخص “العادي أو السليم أو السوي”؟ هل الأطباء فقط (كما أجاب بعضهم) هم المُخوّلون بالإجابة على هذه الأسئلة أم أنّ (المنظر العام) للشخص الماثل أمامنا (كما أجاب البعض الآخر) هو مَن يحدد ذلك؟

إذا سألت أي إنسان، على سبيل المثال، هل أنت “سويٌّ”، فسوف يجيبك فوراً (بعد أن يمتصّ مفاجأة السؤال) بأنه كذلك دون أدنى شك، وبدون أن يعطي مساحةً للتفكير أصلاً، وقد يُسمِعك ما لا تودّ سماعه نظير تجرّؤك على سؤاله أصلاً مثل هذا السؤال، لأن الإنسان “غير السوي”، حسبما هو مزروع في العقل الجمعي والوجداني، هو المجنون أو غير العاقل أو الذي يعاني من مرض نفسي! فإذا كنا أسوياء، فهل الأشخاص ذوو الإعاقة “غير” أسوياء؟ وإذا كنا “عاديين”، فهل الأشخاص المعوّقون “غير عاديين”؟ وهل (السويّة) و(العاديّة) وغيرهما هي اصطلاحات طبية أم اجتماعية أم ثقافية أم ماذا؟

تطور تسميات الأشخاص ذوي الإعاقة

لقد مرت تسميات الأشخاص ذوي الإعاقة بمراحل مختلفة، فأحياناً كان يُطلق عليهم “عاجزون” أو “ذوو عاهات” أو “ذوو احتياجات خاصة” أو “مُتَحَدّون” أو “مُقْعَدون”، وجميع هذه التسميات حملت معها دلالات سلبية أو غير مقبولة، حتى إن اللغة الإنجليزية حاولت أن تبتعد عنها واستنبطت معاني أكثر إيجابية منها، فكلمة Disabled التي تعني الشخص المعوّق استُبدِلت بكلمة أخرى هي Diffabled التي تعني القدرة مع الاختلاف بالطريقة، وكلمة Handicap التي تعني العجز استُبدلت بكلمة Handicapable بمعنى القدرة، وكل ذلك يؤكد أهمية اختيار التعبيرات التي لا تثير في المتلقي أي انطباعات غير مرغوب فيها، أو قد يُساءُ فهمها.

إن التجربة أثبتت -وما زالت تثبت- قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على القيام بالأدوار التي يقوم بها غيرهم في جميع مناحي الحياة، مع بعض الاستثناءات القليلة، مما يعني أن التسميات أو التوصيفات التي تُطلق عليهم هي، في أبسط الأحوال، غير حقيقية، بل هي متحيزة ضدهم وتنتهك حقوقهم وإنسانيتهم، وعليه فإنهم يستحقون لغةً غير تلك التي يستخدمها معظمنا عند الحديث معهم أو عنهم.

نحو لغة أكثر إنسانية وعدالة

إن علينا أن نزيل هذا “الحاجز اللغوي” من قاموسنا الثقافي والاجتماعي والنفسي، وأن نعمل على استنباط لغة أكثر حقوقيةً وإنسانيةً، وأكثر تفهماً لواقع وحقيقة الأشخاص ذوي الإعاقة، ولعلّ لغتنا العربية من أكثر اللغات العالمية تطويعاً واستجابةً لهذا الغرض.

وقد يعتقد البعض أن الحواجز المادية الأخرى التي تعترض حياتهم هي أهمّ وأكثر إلحاحاً من قضية اللغة والتسميات والألقاب والتوصيفات، إلا أننا نؤكد أنه من دون لغة تحترم آدميتهم وتؤمن بهم كما هم، فإن الحواجز الأخرى تبقى كما هي حتى ولو تمت إزالتها، لأن مفهوم الإعاقة مزروع هنا في أدمغتنا وعقولنا، فَمَن إذن عليه أن يتغير: نحن أم هم؟

كتابة: ماهر الريشة