في مدينة عُرفت بريادتها في احتضان المواهب الرياضية، يبرز “نادي السلام للرياضات الخاصة” في حمص كأحد أهم الصروح التي كرّست جهودها لدعم وتمكين ذوي الإعاقة، حيث تأسس النادي عام 2005 ليكون ثاني نادٍ متخصص بهذه الرياضات في سوريا، مستنداً إلى تاريخ طويل من الإنجازات التي حققها لاعبو ولاعبات المدينة على المستويين المحلي والدولي.

تعود البدايات إلى عام 1978 مع تأسيس الاتحاد السوري للرياضات الخاصة، حين تشكّلت اللجنة الفنية في حمص برئاسة فاطمة عجم أوغلي وعضوية نخبة من الكوادر الرياضية، وانطلقت المسيرة بلعبتي القوة البدنية وكرة الطاولة وبعدد محدود من اللاعبين، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشمل تسع ألعاب مختلفة، مع استقطاب مواهب من جمعيات معنية بذوي الإعاقة.

من الحلم إلى الواقع

حلمُ اللاعبين بوجود كيان رياضي يحتضنهم ويؤمّن احتياجاتهم تحول إلى حقيقة مع تأسيس نادي السلام، الذي تبنّى جميع الألعاب المعتمدة من اتحاد الرياضات الخاصة، وهي: ألعاب القوى، القوة البدنية، السباحة، كرة الطاولة، الكرة الطائرة جلوس، كرة السلة على الكراسي، كرة القدم للصم، كرة الهدف للمكفوفين، شطرنج المكفوفين، إضافة إلى الرقص الإيقاعي لفتيات معهد الصم.

ومنذ انطلاقه، شارك النادي في مختلف البطولات والفعاليات، ورفد المنتخبات الوطنية بلاعبين متميزين تمكنوا من تحقيق حضور لافت على المستويات القارية والدولية.

رئيس النادي، غسان أبو صلاح، وهو أحد أبرز وجوه رياضة ذوي الإعاقة كلاعب ومدرب وحكم، يؤكد أن استراتيجية النادي تقوم على: “الاستثمار في العنصر البشري، من خلال الاستفادة من خبرات اللاعبين القدامى وتأهيلهم كمدربين وفنيين بعد اعتزالهم، إلى جانب التركيز على الفئات العمرية الصغيرة بوصفها قاعدة المستقبل.”

كما يعمل النادي على تعزيز التعاون مع المدارس والجمعيات المعنية بالإعاقات المختلفة، وتأمين موارد مالية عبر التبرعات ورعاية البطولات لضمان استمرارية العمل وتطويره.

عمل مؤسسي متكامل

تعتمد إدارة النادي آلية عمل تهدف إلى تطوير مختلف الألعاب، عبر تأمين التجهيزات اللازمة، وإعداد كوادر تدريبية متخصصة، إضافة إلى متابعة شؤون اللاعبين وتدريباتهم بشكل مستمر.

ولا يقتصر دور النادي على الجانب الرياضي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الاجتماعي، من خلال تنظيم أنشطة ترفيهية ومجتمعية تسهم في دمج اللاعبين ضمن المجتمع، إلى جانب تنظيم واستضافة بطولات رسمية والعمل على استقطاب المزيد من ذوي الإعاقة وتأمين وسائل النقل الخاصة لهم.

على صعيد البطولات، حقق النادي حضوراً قوياً، حيث أحرز فريق كرة القدم بطولة الدوري لعدة سنوات، وفاز ببطولة يوم الصم العالمي أربع مرات متتالية. كما برز في كرة السلة على الكراسي، حيث شارك عدد من لاعبيه في تمثيل سوريا خارجياً، من بينهم لؤي رجوب ونبيه الشبعان وعبد المعين الزلق.

وفي إنجاز حديث، ساهم ثلاثة لاعبين من حمص وهم عامر غازي وغصوب زهراوي ونبيه الشبعان، في تتويج المنتخب الوطني بالميدالية الفضية في بطولة لبنان الدولية، تحت إشراف المدرب زين العابدين الدالاتي.

أما على المستوى الفردي، فقد حقق عدد من لاعبي النادي إنجازات بارزة، أبرزهم الرباع يوسف الشيخ يونس، الذي تألق في البطولات البارالمبية وحقق لقب بطولة آسيا في ماليزيا، إضافة إلى تتويجه في الدورات العربية بالأردن ومصر.

كما برز عامر غازي بمشاركاته الدولية، منها بطولة أقيمت في سيدني، إلى جانب تتويجه ببطولة عربية في الأردن.

وفي ألعاب القوى، شاركت اللاعبة سماح مغامز في الدورة العربية بالجزائر عام 2004، فيما مثلت اللاعبة سحر حسين سوريا في بطولة غرب آسيا في الإمارات.

توسّع في الأنشطة المجتمعية

وفي إطار تطوير برامجه، أضاف النادي مؤخراً نشاط اليوغا بالتعاون مع المركز السوري لليوغا والتأمل، إلى جانب تنظيم دورات دعم نفسي بالتعاون مع مركز “زدني علماً” للتدريب وتنمية المهارات، بإشراف الأستاذ وديع رومية.

كما شارك النادي في مسير تراثي بمدينة حمص ضمن مشروع “مدى” الثقافي أوخر عام 2024، في خطوة تعكس حضوره المجتمعي المتنامي.

ويواصل نادي السلام التزامه بإقامة مهرجانه السنوي، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على إنجازات لاعبيه والتعريف برياضاته، مؤكداً أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل وسيلة حقيقية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وتعزيز دورهم فيه، بدعم مستمر من فرع الاتحاد الرياضي.

بهذه المسيرة، يثبت نادي السلام أن الإرادة قادرة على صناعة الإنجاز، وأن الرياضة تبقى أحد أهم الجسور نحو مجتمع أكثر شمولاً وإنصافاً.

كتابة: عبد الرحمن الفيصل