رغم المطالبات بالعمل على رفع نسبة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الشأن السياسي، لا تزال النساء ذوات الإعاقة يواجهن عوائق وحواجز مضاعفة في المشاركة السياسية. لا يقتصر الأمر على غياب الوعي فقط، إنما هو نتاجُ عدة ممارسات تراكمية تبدأ من الإقصاء وتنتهي عند قوانين وسياسات غير منفَّذة.

تقول نعمت الحلبي، من معرة النعمان في ريف إدلب، وهي من النساء ذوات الإعاقة الحركية وعضو مؤسس في الحراك السوري للإعاقة: «بدأ اهتمامي بالمشاركة السياسية بعد إعلان تخصيص ثلاثة في المئة من المقاعد للأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس الشعب».

وتشير إلى أنها تقدمت بطلب الانتساب للهيئة الناخبة أملاً بالمشاركة أو الترشح، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى موقع التسجيل أو حضور الاجتماعات بسبب صعوبة التنقل، فتم تقديم الطلب عن بُعد، ما أدى، بحسب قولها، إلى منح أولوية للنساء غير ذوات إعاقة القادرات على الحضور الفعلي.

وتضيف الحلبي أنها فوجئت بعدم وجود أي امرأة من ذوات الإعاقة ضمن الهيئة الناخبة في مدينتها، وتمت التصفية لاحقاً وفق معايير مركبة لم تراعِ واقع الإعاقة بطريقة منصفة.

وتتابع: «لم أستطع حضور الاجتماعات التي تم الإعلان عنها في مدينتي، ما جعلني أشعر أن الحاضرات كانت لهن الأولوية في الاختيار ليكنّ ضمن اللجنة الفرعية للانتخابات. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم اختياري، مع أنني كنت قد حققت أكثر من معيار من الشروط المطلوبة للمشاركة».

بحسب بيانات الأمم المتحدة، تشكّل النساء ذوات الإعاقة نسبة 20% على مستوى العالم، ويعيش ثلثا هؤلاء النساء في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، أي ما يعادل امرأة واحدة من بين كل خمس نساء، مقارنة بنسبة 12% بين الرجال.

من الأسرة إلى المجتمع: الإقصاء يبدأ مبكراً

تقول أميمة الحامدي (30 عاماً)، من ريف حلب، ناشطة حقوقية ومسؤولة المناصرة في منظمة سند، ومن النساء ذوات الإعاقة الحركية، إن الدعم يبدأ من الحلقة الأولى، أي الأسرة، ثم المجتمع، معتبرةً أن غياب الوعي يشكّل العائق الأكبر أمام النساء ذوات الإعاقة.

وتشير إلى أن غياب النساء ذوات الإعاقة عن المشهد السياسي لا يعود فقط إلى ضعف الوعي السياسي، إنما إلى منظومة إقصاء تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع. ولا تزال أدوار النساء تُختزل في أدوار منزلية، وتتضاعف القيود حين تكون المرأة من ذوات الإعاقة، إذ يحدّ ذلك من قدرتها على الوصول والعمل في الحياة العامة.

وتتابع: «إن وجود النساء في بيئة غير داعمة، وحرمانهن من التعليم والانخراط في المجتمع، يجعل فرصهن في المشاركة على كل الأصعدة تكاد تكون معدومة أو محدودة جداً، ما يستدعي العمل على التوعية بحقوق النساء ذوات الإعاقة».

وفي هذا الصدد، صادقت سوريا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009، مما يلزمها قانونياً بتنفيذ الاتفاقية التي نصّت على الحقوق في كافة المجالات المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على أساس المساواة مع الآخرين.

وبحسب المادة رقم (6) من الاتفاقية، تُقِرّ بأن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يتعرضن لأشكال متعددة من التمييز، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتعهن الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما أشارت المادة رقم (29) إلى حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة السياسية والعامة.

تمثيل غائب ومشاركة صورية

تضمّن المرسوم التشريعي الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 19 لعام 2024 الحق في المشاركة السياسية، لكنه يفتقر إلى بعض متطلبات هذا الحق، كضمان سرية الانتخاب أو توفير متطلبات إمكانية الوصول إلى مراكز الاقتراع أو الانخراط في الأحزاب السياسية، مما يضاعف الأعباء على النساء ذوات الإعاقة، ويترك بعض الحقوق الأساسية غير محمية بشكل كامل.

وتوضح أميمة أنه من خلال عملها المجتمعي والسياسي لاحظت بشكل واضح إقصاءً وتمييزاً مزدوجاً للسيدات ذوات الإعاقة في بعض منظمات المجتمع المدني، ما يزيد من تحديات حصولهن على فرص تمكّنهن سياسياً. وتؤكد أن هذا التمييز ناتج عن تقاطع النوع الاجتماعي مع الإعاقة، مما يحصر وجودهن ضمن أدوار صورية أو رمزية دون مشاركة حقيقية في صنع القرار.

وفي هذا السياق، تشير إلى تجربة سابقة تم فيها تنفيذ مشروع توعية سياسية من خلال تدريبات عن بُعد، استهدف 25 سيدة من ذوات الإعاقة في شمال غرب سوريا، وتضمّن التوعية بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان بهدف تعزيز الوعي بالحقوق والمطالبة بها والمشاركة السياسية.

وتوضح أن التحديات التي واجهت المشروع عند استقطاب المتدربات وقياس مدى رغبتهن كشفت عن فجوة في الأولويات، حيث أبدت 30 سيدة من ذوات الإعاقة عدم اهتمامهن بحضور جلسات التوعية السياسية.

مرجّحةً ذلك إلى التحديات المعيشية وتقاطع حاجات الأغلبية بالحصول على الاحتياجات الأساسية، في حين كانت 25 سيدة مهتمات بالمشاركة وتلقي المعلومات، وساهم الأثر الإيجابي لدى السيدات الحاضرات في خلق حافز للمشاركة والتعلّم والتفاعل مع القضايا السياسية.

وأجرت منظمة سند بحثاً حول حدود المشاركة السياسية للسيدات ذوات الإعاقة، أظهرت نتائجه أن 33% من العينة البحثية أعربن عن رغبتهن في التواجد ضمن مراكز صنع القرار، في حين أن 25% لديهن رغبة في تغيير الواقع الحالي للنساء ذوات الإعاقة، فيما لم تُبدِ 42% رغبة في الانخراط السياسي. كما أشارت 58% من المشاركات إلى أن طبيعة الواقع السياسي في سوريا أسهمت في عزوفهن عن المشاركة الفاعلة.

منظمات المجتمع المدني: تمكين جزئي مع غياب السياسات

تقول رنده عاشور (31 سنة)، من مدينة أعزاز في ريف حلب، ناشطة مدنية ومدافعة عن حقوق الإنسان، إن المنظمات في الشمال السوري لم تعمل على مشاريع مخصصة لتمكين النساء ذوات الإعاقة بشكل خاص، إلا أن بعض البرامج تُظهر اهتماماً عاماً بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة دون تمييز نوعي، وهو ما يقتصر على جوانب تحفيزية لا ترقى إلى مستوى التمكين المنهجي.

وترى عاشور أن التمييز قائم في بعض الفعاليات، وذلك ضمن موقف شاهدته مع أحد المجالس المحلية، أظهر أنهم تجنبوا إشراك شخص من ذوي الإعاقة ضمن بيئة العمل بحجة غياب الخبرة، على الرغم من أنه يتمتع بالخبرة المطلوبة، إلا أن هذا التبرير يعكس تمييزاً غير معلن.

وبحسب نتائج البحث ذاته، أظهرت البيانات أن نسبة 100% من الجهات المشمولة في الاستبيان تحتاج إلى تدريبات خاصة للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، فيما لم تحصل 83.3% منها على أي تدريب فعلي من أصحاب الخبرة في هذا المجال. كما أن 75% من المنظمات لا تمتلك سياسات خاصة تجاه السيدات ذوات الإعاقة أو تجاه هذه الفئة عموماً.

مشاركة حقيقية للنساء ذوات الإعاقة

تقول هدى محمد (34 سنة)، من ريف دمشق، حاصلة على ماجستير في الإرشاد الاجتماعي، ومن النساء ذوات الإعاقة السمعية، وعضو لجنة القاموس الإشاري الموحد في سوريا، إنها تعمل على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وخصوصاً النساء، وتشجيع مشاركتهن الفعّالة في المجتمع.

وتشير إلى غياب الإحصائيات حول نسبة النساء ذوات الإعاقة المشاركات في العمل المدني أو السياسي، موضحةً وجود بعض المبادرات المحلية التي تعمل على ذلك حالياً.

وبحسب قولها، عملت عدة جهات على دعم النساء ذوات الإعاقة وتمكينهن ضمن برامج تطوير المهارات القيادية وإدارة المشاريع، والتدريب على المشاركة في المجال السياسي وصنع القرار، إضافة إلى التوعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز التواصل الاجتماعي والسياسي.

وتشير إلى وصف تجربتها بالمشاركة مؤخراً بعد سقوط النظام البائد بأنها كانت مثيرة للاهتمام، وتعطي مؤشراً جيداً لمستقبل مشاركة النساء ذوات الإعاقة في القضايا التي تخصهن، حيث إنها قامت بحضور العديد من الجلسات التشاورية مع عدد من الوزارات التي تعمل على مناقشة واقع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا وآليات تطويره.

وتتابع: «كان ختام هذه الجلسات ورشة عمل أقامتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لمناقشة التعديلات المقترحة المتعلقة بالمرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث أوضحت أن مشاركة النساء ذوات الإعاقة في هذه الورشة كانت فعلية، وكان لنا دور فعّال في توصيف الواقع واقتراح التعديلات اللازمة».

وتختم بأن تمكين النساء ذوات الإعاقة يتطلب العمل على توفير برامج تدريبية مستمرة ومخصصة، وتسهيل الوصول إلى المعلومات والفرص القيادية، بالإضافة إلى خلق بيئة عمل شاملة تدعم مشاركتهن، وتعزيز الشبكات النسائية والتعاون بين منظمات المجتمع المدني.

وتتفق المشاركات على أن رفع الوعي وحده غير كافٍ، ما لم يراعِ المتطلبات الأساسية وضمان الوصول. ولا تزال آليات إشراك النساء ذوات الإعاقة غير فعّالة، رغم مصادقة سوريا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

إعداد: شغف البري | بالتعاون مع: الحراك السوري للإعاقة