لم أكن أتوقع، وأنا أرتشف القهوة في ذلك الصباح الجميل في بيت صديقتي رُبا ناصر الدين، أن تشدّ انتباهي أختها أسماء، وهي ترتّب أغراضها بدقّة متناهية وغريبة جداً. فهي لا تُزيح كأسها قيد أنملة عن الرفّ المعتاد، وتركنُ حذاءها بحذر شديد كي لا يخرج سنتيمتراً واحداً عن مكانه المخصّص! فماذا سيحدث لو تزحزحت قليلاً قصّتها الملوّنة عن طاولتها؟

استدركت رُبا تساؤلاتي ودهشتي، فبادرت إلى توجيه دفة الحديث عن أختها، موضحةً لي أنّ الأشخاص من متلازمة داون (ومن بينهم أسماء، البطلة الأولمبية الرياضية) ينفّذون بدقّة متناهية كل ما اعتادت عليه حياتهم. فيتوجّب مثلاً أن تكون أمّهم حصراً قد أعدّت القهوة حين تستيقظ الصغيرة أسماء، وأن تحتسياها معاً بهدوء الصباح الفيروزي الذي اعتادت عليه، ثم تتوضأ وتصلي كما تعلّمت تماماً، بشكل رائع، منظّم ومرتّب.

وضعتني رُبا أمام مفصلٍ مهم في حياة الأشخاص من متلازمة داون، وهو «التعلّق الشديد وعدم النسيان». فشقيقتها من أكثر الأشخاص حساسيةً تجاه كل شيء؛ تحب أن تكون على المسار ذاته الذي اعتادت عليه، ومع الأشخاص أنفسهم الذين أحبّتهم، وخصوصاً والدتها التي ما إن تتأخّر قليلاً حتى يصيبها التعب والإعياء. إنّه التعلّق المفرط بكل شيء وبكل موقف، إلى درجة أنّ أي خطأ صغير معها، أو موقف يجرحها، يبقى معلّقاً بلسانها وبصحّتها، بل إنّها ما تزال تتخيّل نفسها عروساً منذ أن عاشت أجواء التحضير لزفاف ابنتي.

التفسير الطبي والنفسي للسلوك النمطي

للوقوف على أسباب هذه السلوكيات، سألنا الطبيب الاختصاصي بالأمراض النفسية والعصبية وعلاج الإدمان الدكتور حكم دياب، الذي قال لموقع «عكازة»: “إنّ المصابين بمتلازمة داون يُصنَّفون ضمن درجات التأخّر العقلي، ولذلك نجد أفعالهم وأحاديثهم نمطيّة وخالية من الخيال، مع عدم القدرة على فهم المعاني المستترة وصعبة التجريد.”

ويوضح الدكتور دياب أنّ السلوك النمطي ناتج عن ضعف مراكز التخيل والإبداع لديهم؛ فهم طيّبو القلب ويقلّدون دائماً من يتحبّب إليهم، غير أنّ هذا السلوك يصبح مشكلة في حالتين: الأولى عند البلوغ، إذ لا يستطيع المصاب لجم اندفاعاته، والثانية عند إصابته بحالة ذهانية.

ووفقاً للدكتور دياب، فإنّ “تغيير النمطيّة مزعج جداً لهم، فهم لا يستطيعون فهم المتغيّرات، كما يصعب عليهم كثيراً ربط السبب بالنتيجة، لذلك هم بحاجة دائمة إلى الشعور بالأمان. وفي حال فقدان هذا الأمان تبدأ الاضطرابات القلقية والاكتئابية لديهم، والتي تتظاهر بشكل غير تقليدي، وبشكل أساسي بالهياج النفسي الحركي.”

الروتين كعامل أمان والتغيير المدروس

“إنهم كالأطفال الأسوياء” حسب ما قاله الدكتور محمد ونّوس، اختصاصي النطق؛ فالأشخاص من متلازمة داون لديهم، كأقرانهم، برنامج عمل يومي يغدو كعادة، لكن أي كسر لهذا الروتين قد يسبّب لهم توتراً مؤقتاً، ريثما تظهر مهارة أو مهمة أو سلوك جديد مُراد منهم.

وإذا قارنا بين الأشخاص المشخصين بالتوحّد والأشخاص من متلازمة داون، يؤكّد الدكتور ونّوس أنّ الأشخاص من داون، وعلى النقيض من التوحّد وروتينه النمطي الشديد، “يعبّرون عن مللهم من الروتين المتكرّر بنشاط أو حركة أو سلوك معيّن، أو باللعب بالأشياء الموجودة أمامهم واستكشافها.” ومن الممكن أن يتعوّدوا على شيء واحد، كأي امتياز ينالونه من أهلهم، لكنّه تعلّق لا يسبّب هيجاناً أو بكاءً هستيرياً مثل أطفال التوحد، لأنّهم يعودون ويتكيّفون مع المثيرات الجديدة.

ولا علاقة بين روتين حياة الأشخاص من متلازمة داون والنطق، كما يقول الدكتور ونّوس؛ فهناك تفاوت في القدرة العقلية ومعدّل الذكاء لديهم، وهو ما ينعكس على اكتسابهم للغة والكلام، ولا سيما أنّ متلازمة داون تترافق أحياناً مع مشكلات سمعية. فتكون لغتهم محدودة من حيث عدد الكلمات والجُمل والعبارات، وبنية الكلام من الناحية القواعدية والنحوية والصرفية.

ويعود سبب مشكلات النطق لديهم إلى القدرة العقلية وحجم أعضاء النطق، ما يؤثّر في مخارج أصوات الحروف، والوضوح اللفظي، والمفهومية اللفظية، التي تبقى نسبية تبعاً لكل حالة وحيثياتها، ووضعها العقلي والعضوي والاجتماعي والسلوكي، ومعدّل الذكاء العام.

ويؤكّد الدكتور ونّوس أنّ التدخّل، إذا كان مبكّراً ونوعياً ومستمراً، سيؤدّي إلى تحسّن الأداء العام لدى الأشخاص من متلازمة داون في المهارات والذاكرة والتفكير والاحتفاظ بالمعلومة والتفاعل واللغة والكلام. لذا يُنصح بإجراء تغيير مستمر في الروتين اليومي لهم، بهدف اكتساب مهارات وسلوكيات جديدة، وتنشيط الحواس واستثارة الدماغ عبر التعرّض لخبرات جديدة.

الخوف من المجهول وأثره على السلوك

إنه “الخوف من المجهول”، وفق مشاهدات ورصد آلاء النمر، المرافقة لأطفال من متلازمة داون، والتي لاحظت توتّرهم حين يفقدون الروتين والأشخاص الذين اعتادوا عليهم. فماذا سيحدث إذا غاب ما ألفوه؟ هذا هو كرههم للمجهول. وبناءً عليه، يتوجّب وضعهم في صورة أي أمر قبل البدء به. توضّح آلاء: “إذا تغير طريق البيت، أو مررنا بجانبه ولم ندخل، يتمسّكون بقوة بمرافقهم ليسحبوه نحو ذلك الطريق؛ فهم لا يريدون الذهاب إلى مكان غريب عنهم، إلى أن يتم تبرير التغيير لهم فيطمئنّوا.”

وتؤكّد آلاء أنّ التغيير في معلمة الصف أو القاعة يكون أيضاً صعباً عليهم، وإذا كان هذا الأمر له وقع على الأشخاص الأخرين، فكيف بالأشخاص من متلازمة داون؟ لكن المشكلة أنّ لديهم حصيلة لغوية غير كافية للتعبير، وبالتالي يجب التعامل معهم بالتدرّج.

ونخلص إلى أنّ الأطفال المشخَّصين بمتلازمة داون يستفيدون بدرجة كبيرة من الروتين اليومي الثابت، إذ يشكّل لهم مصدر أمان واستقرار، ويعينهم على توقّع مجريات يومهم وفهمها، الأمر الذي يخفّف من مستويات القلق لديهم، ويعزّز قدرتهم على التعلّم والتكيّف واكتساب المهارات. ولكنّ الاعتماد المفرط على الروتين قد يحدّ من قدرتهم على التعامل مع التغيير، لذا من الضروري إدخال تعديلات تدريجية مدروسة لتعزيز مرونتهم وتنمية مهارات التكيّف.

كتابة دارين عرفة