في أوقات الحروب والأزمات، تتفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، وعلى رأسها الأشخاص ذوو الإعاقة. وفي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كما في غيرها من الصراعات، واجهت هذه الفئة تحديات قاسية، لعلها أبرزها صعوبة الوصول إلى المعلومات الضرورية التي تلبي احتياجاتهم وتضمن سلامتهم، وتمكنهم من اتخاذ قرارات مصيرية. وتعود هذه الصعوبة باختصار لضعف التغطية الاعلامية لقضايا ذوي الإعاقة والتي لحظناها في فترة الحرب.

كان الصم والمكفوفون من بين الأكثر عرضة للخطر، إذ وجدوا أنفسهم معزولين تماماً عن العالم الخارجي، غير قادرين على استيعاب ما يحدث حولهم، اضطر كثيرون منهم إلى الاعتماد على أفراد عائلاتهم أو جيرانهم لفهم مجريات الأحداث. ومع غياب قنوات إعلامية مخصصة أصبحوا عاجزين عن التمييز مثلاً بين اختراق الطائرات لجدار الصوت وبين القصف الفعلي القريب، ما وضعهم في دائرة الخطر دون أن يدركوا حجم التهديد المحدق بهم.

تنقل نائلة الحارس، وهي مترجمة ومدربة على لغة الإشارة، شهادات حية عن معاناة الصم خلال الحرب. تقول: “النقص في المعلومات يحرم الصم أحياناً من القدرة على تقدير المخاطر، كما حصل مع عائلة من الصم في صور، حيث قرروا البقاء في المنزل رغم التحذيرات، لعدم قدرتهم على تقدير الخطر أو اتخاذ قرار الرحيل مع وجود كبار في السن، مما أدى إلى استشهادهم بالكامل بعد قصف منزلهم”.

فهل كانت التغطية الإعلامية مراعية لحاجات ذوي الإعاقة في ظل الحرب الأخيرة، وكيف ساهم ضعف المعلومات في تعريضهم للمآسي؟

الإعاقة خارج دائرة الاهتمام الإعلامي

يرى الصحفي حسين طليس، المتخصص في تغطية قضايا الفئات المهمشة، أنه برغم الإمكانيات المالية والتقنية التي تمتلكها معظم المؤسسات الإعلامية العاملة في لبنان، إلا أنها لم تبادر خلال الحرب إلى إنتاج إعلام مخصص للأشخاص ذوي الإعاقة، لأنها ببساطة لا تعتبرهم جمهوراً يستحق الاهتمام. ويضيف: “حتى أبسط الإجراءات، مثل توفير ترجمة للغة الإشارة في النشرات الإخبارية، لا يتم اتخاذها، مما يعكس غياب الوعي بأهمية دمج احتياجات ذوي الإعاقة في المشهد الإعلامي”.

حتى المشاريع الإعلامية المستقلة، بحسب طليس، تتحمل جزءاً من المسؤولية، إذ لم تأخذ في الاعتبار احتياجات هذه الفئات. فرغم انتشار العديد من المبادرات للتحقق من الأخبار المزيفة، لا تزال الأدوات والتقنيات المساعدة للصم والمكفوفين غائبة، على الرغم من أنهم الأكثر حاجة إلى المعلومات الموثوقة، وبالأخص في أوقات الأزمات.

ويؤكد طليس أن وسائل الإعلام تمارس تهميشاً مضاعفاً، فهي لا تكتفي بعدم مخاطبة ذوي الإعاقة وتجاهل حقهم في الوصول إلى المعلومات، بل تمتنع أيضاً عن إنتاج محتوى توعوي لتعريف المجتمع والجمهور العام باحتياجاتهم وأوضاعهم. لذا، يرى أن “إدماجهم في المشهد الإعلامي يجب أن يكون جزءاً من سياسة حكومية شاملة، تقودها المؤسسات الرسمية بنفسها”.

خلل في الدعم والتنفيذ

سلوك المؤسسات الحكومية خلال الحرب لم يكن على قدر المسؤولية في التعامل مع احتياجات ذوي الإعاقة. فعلى سبيل المثال قررت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقديم مساعدة مالية طارئة للأشخاص ذوي الإعاقة، وكلفت 30 موظفاً من فريقها للتواصل معهم وتحويل المساعدات، إلا أن العملية شابها خلل فادح.

تكشف نائلة الحارس كيف أن الوزارة كانت تطلب من المستفيدين الصم التحدث مباشرة عبر الهاتف للتحقق من هويتهم، متجاهلة تماماً طبيعة إعاقتهم. وتعلق قائلة: “لا أدري كيف كانوا يطلبون ذلك، وكيف يمكن للصمّ التواصل مع موظفي الوزارة من دون مكالمة فيديو أو مترجم لغة إشارة؟ كان ذلك مؤشراً واضحاً على عدم الاختصاص والجهل بخصائص الفئة الاجتماعية التي يتعاملون معها”.

تشير نائلة إلى أن الصمّ كانوا في أمسّ الحاجة إلى تحديثات فورية حول أماكن القصف والإنذارات والمخاطر المحتملة، إلا أن المصدر الرسمي الوحيد المتاح لهم كان نشرة الأخبار المسائية على تلفزيون لبنان، التي توفر ترجمة بلغة الإشارة، لكنها لم تكن كافية على الإطلاق. وفي ظل هذا التقصير، اضطر الصمّ إلى الاعتماد على أنفسهم، فلجأوا إلى تبادل المعلومات عبر مجموعات ‘الوتسأب’ الخاصة بهم، في محاولة لتعويض الغياب التام للتغطية الإعلامية الدامجة.

غياب التخطيط والاستجابة الفعالة

آثار التمييز والإقصاء تجاه ذوي الإعاقة امتدت أيضاً على التقديمات والمساعدات خلال فترة الحرب، فنقص المعلومات جعلهم جاهلين بأوقات وصول المساعدات وآليات توزيعها. عانى المكفوفين في مراكز النزوح من صعوبات في تحديد أماكن تقديم الطعام والمرافق الصحية، ما جعلهم بحاجة دائمة إلى مرافقين.

أما الصم، فقد طُلب منهم تعبئة استمارات وإجراء مقابلات تتجاوز قدراتهم، نظراً للصعوبات التي يواجهونها في التعلم والقراءة، واعتمادهم الأساسي على لغة الإشارة. وقد جعل ذلك التعليمات المكتوبة أو المسموعة غير مفهومة بالنسبة لهم من دون وجود مترجم للغة الإشارة.

في السياق نفسه، لم يتمكن معظم الأشخاص ذوي الإعاقة من جلب أجهزتهم المساعدة الضرورية، مثل العكازات والكراسي المتحركة أو العصي البيضاء للمكفوفين أو أجهزة السمع، بالإضافة إلى الأجهزة الطبية الخاصة بهم والأدوية الأساسية، مما زاد من معاناتهم في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.

استجابةً لهذه الاحتياجات الطارئة، بادر الناشط إبراهيم عبدالله، مستشار الإسكوا في شؤون الإعاقة، إلى تأسيس مجموعة ‘Task Force’ بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الشاملة. عملت هذه المجموعة كغرفة طوارئ، حيث لعبت دوراً محورياً في توزيع المساعدات والمعونات الضرورية، بدعم وتمويل من المنظمات المحلية والدولية، وبالتنسيق مع الجمعيات المعنية بالأشخاص ذوي الإعاقة، التي انضمت إلى جهودها لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

وبعد انتهاء العمليات العسكرية، واصل عبدالله وفريقه العمل بحسب قوله: “على تعديل خطة الطوارئ التي وضعتها الحكومة اللبنانية سابقاً، بحيث تشمل متطلبات واحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، لتكون أكثر شمولية وإنصافاً لحقوقهم في المستقبل.” مؤكداً أهمية وجود تمثيل استشاري للأشخاص ذوي الإعاقة داخل الإدارات المعنية أثناء الكوارث.

بدوره أشار رئيس جمعية مؤشرات تنموية، فايز عكاشة، إلى أن “العديد من المنظمات والمؤسسات عملت طوال السنوات الماضية على إعداد خطط إغاثية بهدف الاستجابة أثناء الطوارئ، ومع ذلك في كل مرة تحدث حرب أو أزمة، تتهاوى هذه الخطط أمام الواقع وتغيب معها الاستجابة الفعالة، حيث تتصرف كل جهة بمعزل عن الأخرى.”

وأكد عكاشة أن خطة الطوارئ الوطنية لم تأخذ في اعتبارها جميع الفئات المجتمعية، بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن وغيرهم. وهو ما يستدعي مستقبلاً تطوير خطة استراتيجية شاملة، تحدد بوضوح أدوار جميع الجهات المعنية، بدءاً من منظمات المجتمع المدني وصولاً إلى البلديات والمجالس المحلية، لضمان استجابة منسقة تلبي احتياجات الجميع.

التشريعات والإعلام كأدوات للتغيير

وحول الدروس المستفادة من الحرب، أكد عكاشة على ضرورة العمل الجاد لإصدار القوانين والتشريعات التي تضمن حماية ذوي الإعاقة، وأوضح أنه: “لو كانت هناك قوانين تُلزم المدارس والمنشآت العامة بأن تكون دامجة ومهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، لكانت الاستجابة خلال الأزمات مختلفة تماماً، حيث لن يكون هناك حاجة لأية إجراءات إضافية طارئة.”

وفي ذات السياق أشار طليس إلى ضرورة إطلاق مبادرات حكومية ترعاها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع ذوي الإعاقة أنفسهم، بهدف دمج قضايا الإعاقة ضمن وسائل الإعلام العاملة في لبنان، من خلال إشراكهم في إنتاج المواد الصحفية والبرامج الإعلامية، بحيث تضمن تمثيل أصواتهم بموضوعية وشفافية بدلاً من ممارسة دور الوصاية عليهم أو التحدث بإسمهم.

من جانبه، دعا عكاشة إلى إنشاء قاعدة بيانات شاملة تضم المؤسسات والشخصيات الناشطة في قضايا الإعاقة، بحيث تصبح مرجعاً أساسياً عند إعداد التقارير والمواد الإعلامية، ما يسهل على الصحفيين الوصول إلى المعلومات من مصادرها الموثوقة. ويشاركه في هذا المطلب إبراهيم عبدالله، الذي شدد على أهمية التواصل مع الجمعيات والمراكز التي تتناول قضايا الإعاقة من منظور حقوقي، بدلاً من تلك التي تقديها من منظور رعائي تقليدي.

في هذا السياق، يستحضر عبدالله التدريبات الإعلامية التي نظمها مركز الدراسات اللبنانية، والتي استهدفت توعية الصحفيين على أسس التغطية الحقوقية لقضايا الإعاقة وفقاً لمبادئ الشمول واتفاقية الأمم المتحدة. وأضاف إلى أن “الإعلام قبل سنوات لم يكن يفسح المجال لذوي الإعاقة للتعبير عن قضاياهم، كما أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم لم يدركوا أهمية التواجد في المشهد الإعلامي.”

غير أن هذا الواقع بدأ يتغيّر اليوم، بالرغم من أن العمل مع وسائل الإعلام لا يزال يتطلب جهوداً كبيرة لضمان إنتاج إعلام دامج يراعي احتياجات جميع الفئات، بما في ذلك الصم والمكفوفون. فالإعلام بالنسبة لهؤلاء لا يقتصر على نقل الأخبار خلال الأزمات والحروب، بل يصبح وسيلة لإنقاذ الأرواح.

الكاتب: أحمد الأشقر

تم إعداد هذا التقرير ضمن مشروع “إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان”، المموّل من الاتحاد الأوروبي. وتقع المسؤولية عن محتواه حصراً على عاتق ”مؤسسة مهارات“ وهو لا يعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي.